سهيلة عبد الباعث الترجمان
752
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
صغرى ، فالشهادة الصغرى على أقسام . . . والشهادة الكبرى قسمان أعلى وأدنى . فالأعلى شهود الحق تعالى بعين اليقين في سائر مخلوقاته فإذا رأى مثلا شيئا من المخلوقات ، فإنه يشهد الحق تعالى في ذلك الشيء من غير حلول ولا اتصال ولا انفصال بل بما أخبر به سبحانه وتعالى بقوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ « 1 » . . . فإذا صح للعبد هذا المشهد فهو مشاهد للّه تعالى ، وهذا أعلى مناظر الشهادة ، وما بعدها إلّا مراتب الصديقية ، فيفنى عن نفسه بوجود ربه وحينئذ يدخل في دائرة الصديقية . . . " « 2 » . ويحدد لنا الجيلي مقام الصديقية ومرتبتها من القرب الإلهي بحيث يتعين مقام من " عرف نفسه فعرف ربه " ويكشف عن الحضرات المشتملة عليها ، من علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين التي تتحقق للعبد بنور اليقين لما يفيضه اللّه على عبده من المعرفة الحقة . كما يحدد الجيلي موقف الصدّيق من مشاهدته لهذه الحضرات ، وذلك عن طريق الفناء الذي يصل به إلى البقاء الإلهي المتجلي بالأسماء والصفات ، فيقول : " وأما الصدّيقية فإنها عبارة عن حقيقة مقام من عرف نفسه فقد عرف ربه ، وهذه المعرفة لها ثلاث حضرات : الحضرة الأولى علم اليقين « * » ، والحضرة الثانية عين اليقين « * * » ، والحضرة الثالثة حضرة حق اليقين « * * * » ، فعلامة الصدّيق في تجاوز هذه الحضرات أن يصير غيب الوجود مشهودا له ، فيرى بنور اليقين ما غاب عن بصر المخلوقات من أسرار الحق ، فيطلع حينئذ إلى حقيقته ، فيشهد فناءه تحت سلطان أنوار الجمال ، فيكتسب بهذا الفناء بقاء إلهيا ، والمراد بقولي يكتسب ، هو أن يظهر له البقاء
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 115 م . ( 2 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 96 . ( * ) علم اليقين : ما أعطاه الدليل بتصور الأمور على ما هو عليه ( تعريفات الجرجاني ) . ( * * ) عين اليقين : ما أعطته المشاهدة والكشف ( نفس المصدر ) . ( * * * ) حق اليقين : عبارة عن فناء العبد في الحق والبقاء به علما وشهودا وحالا لا علما فقط فعلم كل عاقل الموت علم اليقين ، فإذا عاين الملائكة فهو عين اليقين ، وإذا ذاق الموت فهو حق اليقين ، وقيل علم اليقين ظاهر الشريعة وعين اليقين الإخلاص فيها وحق اليقين المشاهدة فيها ( من تعريفات الجرجاني ) .